أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده

304

مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم

بصيرتك بأثمد التأييد حتى ترى العرش ومن حوله ، ثم لا ترضى بذلك حتى تشاهد ما لا تدركه الأبصار ، فتصفو من كدر طبيعتك ، وترتقي على طور عقلك وتسمع الخطاب من اللّه تعالى كما كان لموسى عليه السلام أنا اللّه رب العالمين ، انتهى . ثم توجه إلى القدس الشريف ، فاجتهد في العبادة ، وزيارة المشاهد والمواضع المعظمة بتلك الأراضي المقدسة ، منفردا عن الناس ، مخفيا نفسه عنهم ، ما كان يعرفه إلا خادم كان معه ، فكان على ذلك مدة ، ثم اشتهر أمره فعرفوه واعتقدوه . ثم أنه قصد مصر وأقام بالإسكندرية مدة ، ثم عاد إلى الشام وأخذ في تصنيف ( إحياء علوم الدين ) ، والكتب المختصرة ، مثل ( الأصول الأربعين ) ، و ( جواهر القرآن ) ، وغير ذلك من الرسائل وهو مكب على مجاهدة النفس والعزلة عن الخلق والتبتل إلى اللّه تعالى ، وترك الاجتماع بالناس إلا في الجمعة والجماعة ، ثم عاد إلى وطنه لازما بيته ، مشتغلا بالتفكر والتأليف ، ملازما للوقت ، مثابرا على الذكر والأوراد ، إلى أن مضى على ذلك زمان ظهرت فيه تصانيفه وفشت كتبه ، حتى انتهت المملكة والوزارة إلى فخر الملك ، جمال الشهداء ، فزينت خراسان بحشمته ودولته ، ونفق سوق الفضل أيام ولايته . وكان قد سمع بفضل الإمام الغزالي ونقاء سيرته ، فاستدعاه وجاء به إلى نيسابور ، وولّاه تدريس المدرسة النظامية بها ، فانتفع به ، ثم عاد إلى بغداد ثم إلى نيسابور ، وألزم بتدريس النظامية بعد معاودات بأسباب يأتي ذكرها في كلامه . ثم ترك ذلك كله وأقام بوطنه ، واتخذ خانقاها للصوفية ومدرسا للمشتغلين بالعلوم الشرعية في جواره ، ووزع أوقاته على وظائف الحين : من ختم القرآن ، ومجالسة أهل القلوب . هذا وقد سئل هو قدس سره عن السبب الذي صرفه عن نشر العلم ببغداد ، مع كثرة الطلبة ، وما الذي دعاه إلى معاودته بنيسابور بعد طول المدة ، فقال مجيبا عن ذلك بعد تمهيد مقدمات تقدمت له هناك أنه قد حصل معي من العلوم التي مارستها والمسالك التي سلكتها في التفتيش عن صنفي العلوم الشرعية والعقلية إيمان يقيني باللّه تعالى وبالنبوة وباليوم الآخر ، فهذه الأصول الثلاثة من الإيمان كانت قد رسخت في نفسي ، وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع في سعادة الآخرة إلا بالتقوى ، وكف النفس